مشروع الإنسان قبل المهنة: كيف تُبنى الأمم؟

مشروع الإنسان قبل المهنة: كيف تُبنى الأمم؟


ليس أخطر ما تعانيه أمتنا اليوم قلة الموارد، ولا ضيق الفرص، ولا حتى اضطراب السياسة…

بل أخطر ما تعانيه حقًا: ضياع الإنسان قبل أن يختار طريقه.

إننا ننشئ أبناءنا، ثم نتركهم عند مفترق الطرق حائرين، لا يدرون من هم، ولا لماذا خُلقوا، ولا أي طريق يسلكون.

وهنا تبدأ المأساة.


قصة تُعيد ترتيب المعنى

في قريةٍ من قرى مصر، لم يكن هناك مشروع دولة، ولا خطط وزارات، لكن كان هناك إنسان واحد فهم دوره.

لم يكن معلمًا يلقّن الدروس، بل كان أبًا للأجيال، ومهندسًا للعقول.

نظر إلى طلابه الصغار، فرأى فيهم ما لم يروه في أنفسهم، وقال لهم بلسان الحال قبل المقال:


أنتم لستم أطفال اليوم… بل رجال الغد.

فزرع في بعضهم حب التعليم، وأقنع أسرهم أن يوجهوهم لهذا الطريق، فمضت السنوات… وإذا بالقرية تُنجب جيلًا من المعلمين، يحملون النور كما حمله معلمهم الأول.

وهكذا لم يُخرّج هذا الرجل طلابًا، بل خرّج رسالة تمشي على الأرض.

إنه الأستاذ الكبير الملهم / إبراهيم كثير، أطال الله في عمره.


أين الخطأ في واقعنا؟

إننا نُكثر من الحديث عن التعليم، والوظائف، والتخصصات، لكننا نغفل عن السؤال الأهم:


من هو هذا الإنسان الذي سيتعلم؟

إن البناء لا يبدأ من الكلية، ولا من الشهادة، بل يبدأ من الهوية.

فالذي لا يعرف نفسه، لن يُحسن اختيار طريقه، ولو أُعطي ألف فرصة.


مشروع الإنسان: الفكرة الغائبة

إن الأمة التي تريد أن تنهض، لا يكفيها أن تُنشئ مدارس، بل يجب أن تُنشئ مشاريع بشرية.

نُنشئ الطفل، ثم نقول له:

  • أنت مشروع معلم.
  • أنت مشروع طبيب.
  • أنت مشروع مهندس.
  • أنت مشروع كاتب.
  • أنت مشروع قائد.
  • أنت مشروع صانع.
  • أنت مشروع باحث.
  • أنت مشروع مصلح.

ونقول للبنت بوضوحٍ لا خجل فيه ولا انتقاص:


أنتِ مشروع أم.

لا بمعنى حبسها في زاوية ضيقة، ولا اختزال عقلها وروحها في وظيفة اجتماعية واحدة، بل بمعنى ردّ الاعتبار لأعظم رسالة في الوجود: صناعة الإنسان.

فالأم ليست هامشًا في قصة الحضارة، بل هي الصفحة الأولى منها.

هي المدرسة الأولى، والحضن الأول، والذاكرة الأولى، واللغة الأولى، والضمير الأول.

ومن العبث أن نُعظّم كل المهن، ثم نستحي أن نقول للبنت:


أنتِ مشروع أم عظيمة.

كما نقول للولد أيضًا:


أنتَ مشروع أب.

لأن البيت لا يقوم بأم وحدها، ولا بأب وحده، بل بوعيٍ مشترك، ومسؤوليةٍ متبادلة، ورسالةٍ يتقاسمها رجل وامرأة.


مشروع أب… ومشروع أم

لقد فشل كثير من شبابنا لا لأنهم جهلوا الحساب أو الكيمياء، بل لأنهم لم يتعلموا كيف يكونون أزواجًا، وآباءً، وأمهات، ومسؤولين عن بيتٍ وحياة.

تعلّموا كيف ينجحون في الامتحان، ولم يتعلموا كيف ينجحون في الزواج.

حفظوا قوانين المادة، ولم يحفظوا قوانين الرحمة.

دخلوا الجامعات، ولم يدخلوا مدرسة النفس.

ثم نتعجب بعد ذلك من اتساع الشقاق، وارتفاع الطلاق، وخراب البيوت، وارتباك الأبناء.

إن مشروع التعليم الحق لا بد أن يعلّم الإنسان كيف يحمل مهنته، وكيف يحمل بيته، وكيف يحمل نفسه.


المشروع التطبيقي: مدرسة اكتشاف الإنسان

ولا ينبغي أن تبقى هذه الفكرة حبيسة المقالات والخطب، بل يجب أن تتحول إلى مشروعٍ عملي يبدأ من المراحل الأولى.

مشروع لا يسأل الطفل فقط:


ماذا تريد أن تصبح؟

بل يسأله قبل ذلك:


من أنت؟ وما الذي أودعه الله فيك؟ وما الطريق الذي يصلح لقلبك وعقلك وطاقتك؟


المرحلة الأولى: الاكتشاف المبكر

تبدأ من الطفولة الأولى، حيث لا نملأ عقل الطفل بالمعلومات وحدها، بل نفتح أمامه أبواب الحياة.

نجعله يجرّب القراءة والكتابة، ويتصل بنصوص القرآن التي تناسب عقله وروحه، ويدخل ورشًا مصغرة في مجالات متعددة:

  • ورشة تعليم: ليشرح درسًا بسيطًا لزملائه.
  • ورشة طب: ليتعلم معنى الرحمة بالجسد والمرضى.
  • ورشة هندسة: ليفكر كيف تُبنى الأشياء وتُحل المشكلات.
  • ورشة كتابة: ليعبّر عن فكرة أو قصة أو شعور.
  • ورشة فن: ليرسم ويشكّل ويرى الجمال.
  • ورشة زراعة وصناعة: ليفهم قيمة العمل والإنتاج.
  • ورشة بيت ومسؤولية: ليتعلم معنى الأسرة، والنظام، والرحمة، وخدمة الآخرين.

هنا لا نفرض طريقًا على الطفل، بل نضيء أمامه الطرق.


المرحلة الثانية: زرع الهوية

بعد الاكتشاف تأتي مرحلة تسمية البذرة.

فالطفل الذي ظهرت فيه قدرة على الشرح نقول له: أنت مشروع معلم.

والذي ظهرت فيه رحمة ودقة وميل لخدمة المرضى نقول له: أنت مشروع طبيب.

والذي يحب البناء والتركيب وحل المشكلات نقول له: أنت مشروع مهندس.

والذي يعشق اللغة والتأمل نقول له: أنت مشروع كاتب.

والبنت التي يظهر فيها حب الرعاية والقيادة الهادئة والقدرة على احتضان الآخرين نقول لها باعتزاز: أنتِ مشروع أم.

والولد الذي يظهر فيه تحمل المسؤولية والحنان المنضبط نقول له: أنت مشروع أب.

ليست هذه أحكامًا نهائية، بل مفاتيح أولى.

وليست قيودًا، بل مرايا يرى فيها الطفل بعض ما يمكن أن يكونه.


المرحلة الثالثة: التدريب المصغر

ثم ننتقل من الكلمة إلى التجربة.

  • مشروع المعلم يعطي درسًا قصيرًا.
  • ومشروع الطبيب يزور عيادة أو يتعلم مبادئ الإسعافات الأولية.
  • ومشروع المهندس يصمم نموذجًا بسيطًا.
  • ومشروع الكاتب يكتب مقالًا أو قصة قصيرة.
  • ومشروع الأم يتعلم مبادئ التربية، وفهم الطفل، والرحمة، والنظام، وإدارة البيت.
  • ومشروع الأب يتعلم معنى القوامة الرحيمة، والعمل، والحماية، وضبط النفس، وتحمل المسؤولية.

وهكذا تتحول الموهبة من أمنية إلى تمرين.


المرحلة الرابعة: التوجيه والتمكين

وفي المرحلة الأخيرة، لا نترك الشاب أو الفتاة وحدهما عند باب المستقبل.

نربط كل واحدٍ بمرشد في مجاله، ونساعده على اختيار الدراسة المناسبة، ونفتح له أبواب التدريب، ونعلّمه كيف يخدم مجتمعه بما تعلّم.

فالمطلوب ليس أن نُخرج أصحاب شهادات فحسب، بل أن نُخرج أصحاب رسالة.


بين الحفظ والبناء

إن تعليمًا يقوم على الحفظ وحده، كمن يكدّس الحجارة بلا هندسة.

أما التعليم الحق، فهو الذي يكتشف الموهبة، ويرعى الميل، ويصوغ الشخصية، حتى يخرج الإنسان إلى الحياة وقد عرف طريقه قبل أن يُدفع إليه.


كيف تُبنى الأمم؟

لا تُبنى الأمم بالخطب، ولا تُقام بالشعارات، بل تُبنى حين يظهر في كل قرية، وفي كل حي، رجل أو امرأة يفهم أن دوره أكبر من وظيفته.

  • معلم يصنع معلمين.
  • أم تصنع أجيالًا.
  • أب يحرس بيتًا وقيمًا.
  • كاتب يصنع وعيًا.
  • طبيب يحفظ الرحمة قبل الجسد.
  • مهندس يبني حياة قبل الحجر.

وهكذا تتسلسل الرسالة، جيلًا بعد جيل.


الخلاصة

ليست المشكلة في قلة الإمكانيات، بل في غياب الفكرة.

ولو عادت إلينا هذه الروح، روح بناء الإنسان قبل المهنة، لرأيت القرى تُنجب النور كما تُنجب الأرض زرعها.

فابدأ من حيث بدأ ذلك المعلم البسيط:


لا تنظر إلى ما يملكه الطفل اليوم…
بل انظر إلى ما يمكن أن يكون عليه غدًا.

قل له:

  • أنت مشروع إنسان.
  • أنت مشروع رسالة.
  • أنت مشروع أثر.

وقل لها دون تردد:


أنتِ مشروع أم… إن شئتِ صنعتِ أمة.

وحين نُحسن صناعة الإنسان، لن نخاف على المستقبل؛ لأن المستقبل يومها لن يكون شيئًا ننتظره… بل شيئًا نصنعه.

✍️ ابن السيد




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top