لماذا لا يتغير الإنسان… رغم أنه يعرف الحق؟

لماذا لا يتغير الإنسان رغم أنه يعرف الحق؟

في مأساة المعرفة التي لا تُنقذ صاحبها

ليس أعجب في حال الإنسان من أن يعرف الحق، ثم لا يتبعه.

يراه واضحًا كالشمس، ثم يدير له ظهره، وكأنه لم يره قط.

يصلي يومًا ويترك أيامًا، يعزم ثم يضعف، يسمع الموعظة فتدمع عينه، ثم يعود كما كان.

فقلت: ما هذا التناقض؟ كيف يجتمع في قلبٍ واحد: معرفةٌ بالحق، وإعراضٌ عنه؟


ليست المشكلة في الجهل

لقد ظننت أول الأمر أن الناس إنما يقعون في الخطأ لجهلهم.

لكنني رأيت من يعلم ويعصي، ومن يفهم ويخالف، ومن يحفظ ولا يعمل.

فعلمت أن المشكلة ليست في المعرفة، بل في شيء أعمق منها.


حين يتحول الحق إلى معلومة

إن أخطر ما يصيب القلب أن يتحول الحق عنده إلى “معلومة”.

يخزنها في عقله كما يخزن أي خبر عابر، لا يهتز لها وجدان، ولا تتحرك لها إرادة.

وهنا يفقد الحق أثره؛ فإنما خُلق الحق ليُغيّر، لا ليُحفظ فقط.


القلب إذا اعتاد لم يعد يتأثر

إن كثرة السماع بلا عمل تورث القلب قسوة.

فالموعظة التي لا تُتبع تتحول مع الزمن إلى صوت مألوف.

كما أن العين إذا اعتادت الظلام لم تعد تستوحشه، كذلك القلب إذا اعتاد المعصية لم يعد ينكرها.


المرض الخفي: أنك لا تريد التغيير

وهنا انكشف لي أخطر ما في الأمر: أن الإنسان قد يعرف الحق، لكنه لا يريده.

لا يريده لأنه يكلّفه، يقيّده، ينتزعه من شهواته التي ألفها.

فيهرب منه، لا لأنه لم يره، بل لأنه لا يحتمل تبعاته.


حين يعاقَب القلب بالانصراف عن الحق

قال الله تعالى:


﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

ففهمت أن الإعراض ليس دائمًا بداية، بل قد يكون عقوبة.

يبدأ الإنسان بالإعراض، ثم يُعاقَب بأن يُحرم الهداية، حتى يصبح الحق أمامه فلا يراه.


المشكلة ليست أن ترى الحق

بل أن يُسمح له أن يدخل قلبك.

فكم من إنسان رأى ولم يُبصر، وسمع ولم يتأثر.

ليس لأن الحق غاب، بل لأن القلب أُغلق.


الخاتمة: طريق النجاة

يا نفس، لا تطلبي زيادة العلم قبل أن تُصلحي موضع القبول.

فإن العلم إذا نزل على قلب مريض، لم يصلحه، بل زاده حجة عليه.

وإنما النجاة في قلب حي، إذا سمع الحق خضع، وإذا عُرض عليه قبله.

فليس الشأن أن تعرف الطريق، بل أن تمشي فيه.


وعيك هو سلاحك الوحيد الذي لا يمكنهم سرقته منك.

✍️ ابن السيد





🔗 اقرأ أيضًا:

لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح فقط: كيف تُدار المعركة على وعيك؟

كيف يتم التلاعب بالتاريخ وصناعة الروايات؟

كيف ينتفع الإنسان بالقرآن؟

كيف دمّر الاستعمار أوروبا نفسها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top