حين تتحول الخلافات الدينية إلى معركة عبثية | قراءة في فكر محمد الغزالي وواقع الأمة..

 حين تتحول الخلافات الدينية إلى معركة عبثية | 

قراءة في فكر محمد الغزالي وواقع الأمة..





قراءة في أزمة الوعي الإسلامي بين الغزالي وواقعنا المعاصر


لم يكن الشيخ محمد الغزالي يخاف على الإسلام من أعدائه بقدر ما كان يخاف عليه من أبنائه.


كان يرى — ببصيرته النافذة — أن الأمة قد تُهزم قبل أن يدخل العدو أرضها، حين يدخل الوهن إلى عقلها، والضيق إلى فقهها، والتعصب إلى قلوبها.


ولذلك لم يقف طويلًا عند خطاب المؤامرة، رغم إيمانه بوجودها، بل وقف أولًا أمام سؤال أشد إيلامًا:

كيف تحولت أمة “اقرأ” إلى جماعات تتنازع على شكل العمامة، وطول اللحية، وطريقة وضع اليد في الصلاة، بينما العالم يعيد تشكيل الخرائط والعقول والحضارات؟


لقد مرّت عقود طويلة على وفاة الغزالي، لكن المؤلم أن كثيرًا مما حذّر منه لم يختفِ… بل تضاعف.


فاليوم لا تزال الأمة تُستنزف في معارك هامشية تُدار باسم الدين:


  • هذا يبدّع ذاك،
  • وذاك يكفّر هذا،
  • وثالث يحاكم الناس بلباسهم،
  • ورابع يجعل الخلاف الفقهي معركة وجود،

    بينما تتهاوى معاني العدل، والعلم، والكرامة، والنهضة، والوعي.


لقد فهم الغزالي مبكرًا أن الخطر الحقيقي ليس فقط في “قلة الفقه”، بل في “فساد المقصد”.

فقد يخطئ الإنسان عن جهل فيُعلَّم، أما حين تتحول النية إلى تعصب، ويصبح الدين وسيلة للتمركز النفسي أو الهيمنة أو صناعة القطيع، فإن البلاء يصبح أعمق.


ولهذا قال كلمته القاسية الصادقة:


“كل جماعة تؤخر علاج هذه العلل، فهي هازلة في جهادها، متهمة في قصدها.”


إنه اتهام أخلاقي وفكري رهيب.


فالأمة التي تنشغل بقضايا الشكل وتترك صناعة الإنسان، أمة تؤجل النهوض بيديها.


والأمة التي ترفع الشعارات الكبرى بينما تعيش بعقلية الطائفة الصغيرة، لا يمكن أن تقود حضارة.


واليوم، بعد عشرات السنين من رحيل الغزالي، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا:

العالم لم يعد يحتل الأرض فقط… بل يحتل:


  • الوعي،
  • واللغة،
  • والذوق،
  • والصورة،
  • والخوارزمية،
  • وحتى تعريف الإنسان لنفسه.


لقد دخلنا عصرًا تُدار فيه الحروب عبر الشاشات أكثر مما تُدار عبر الدبابات.

وأصبحت صناعة التفاهة مشروعًا عالميًا ضخمًا، يُستهلك فيه عقل الإنسان حتى يفقد قدرته على التفكير العميق، أو السؤال الكبير، أو حمل الرسالة.


وفي خضم هذا كله، لا يزال بعض أبناء الأمة يتجادلون:

هل يجوز كذا؟

وهل هيئة الثوب كذا؟

وهل فلان من الفرقة الناجية؟


وكأن الإسلام نزل ليصنع جماعات مغلقة… لا أمة شاهدة على العالم.


لقد كان الغزالي يفهم الإسلام باعتباره مشروعًا لتحرير الإنسان:


  • من الجهل،
  • ومن الخوف،
  • ومن العبودية لغير الله،
  • ومن السقوط الأخلاقي،
  • ومن ضيق الأفق.


ولذلك كان يربط دائمًا بين الإيمان والعمران، بين العقيدة والحياة، بين الصلاة والعدل، بين القرآن وبناء الإنسان.


أما التدين الذي يُنتج عقلًا ضيقًا، ونفسًا متعالية، وإنسانًا عاجزًا عن فهم العصر أو التعامل مع الناس أو حمل الرحمة للعالمين… فذلك عنده تدين مشوّه، حتى لو امتلأت المظاهر بالشعارات.


إن أخطر ما أصاب الأمة ليس ضعف الإمكانات فقط، بل ضمور العقل الحضاري.


فنحن نعيش أحيانًا بعقلية المستهلك لا المنتج،

وبعقلية المعلّق لا الصانع،

وبعقلية ردّ الفعل لا المبادرة.


ولهذا كان الغزالي يؤكد أن الفرق بين الأمم ليس في الطائرات وحدها، بل في “النشاط الذهني” و“الخلق النفسي” و“طريقة صناعة الإنسان”.


وهذه القضية ما تزال هي معركة القرن الحقيقيّة.


إن الأمة لا تُبعث من جديد بكثرة الخطب وحدها، ولا بالصراخ على المنابر، ولا بحروب الإنترنت اليومية…

بل تُبعث حين يعود الإسلام قوةً:


  • تبني العقل،
  • وتهذب النفس،
  • وتصنع الإنسان الشريف،
  • وتعيد ترتيب الأولويات،
  • وتربط الدين بالعلم والعمل والجمال والرحمة والوعي.


لقد كان عمر بن الخطاب — كما أشار الغزالي — أعظم من أن يقود مشروعًا قبليًا أو عرقيًا.

كان يقود مشروعًا أخلاقيًا ربانيًا صنع أمة خرجت من الصحراء لتغيّر وجه التاريخ.


أما حين انفصل المسلمون عن جوهر الرسالة، وبقيت الأسماء واللافتات فقط، بدأ الانحدار الطويل.


ولذلك تبقى كلمة الغزالي حيّة كأنها كُتبت اليوم:


“دخلوا به التاريخ، فلما خانوه خرجوا من التاريخ.”


والأمم لا تموت حين تخسر حربًا…

بل تموت حين تفقد معناها.


 ✍️ابن السيد


وعيك هو سلاحك الذي لا يمكنهم أن يسرقوه منك !!





📚 اقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top