حين يصبح العالِم غريبًا في وطنه | بين الغموض ونظريات المؤامرة وحقيقة البحث العلمي

حين يصبح العالِم غريبًا في وطنه | بين الغموض ونظريات المؤامرة وحقيقة البحث العلمي


في كل مرة يرحل فيها عالم عربي أو باحث شاب في ظروف غامضة، تعود الأسئلة القديمة لتطفو على السطح من جديد:


هل كان مجرد حادث عابر؟  

أم أن هناك من لا يريد لهذه العقول أن تكتمل؟




ومع تكرار القصص، تبدأ الذاكرة العربية في استدعاء أسماء كثيرة:

علماء ذرة، وباحثون، ومبتكرون، ورحلات علمية انتهت بشكل مأساوي أو محيّر، حتىأصبح كثير من الناس مقتنعين أن وراء كل قصة يدًا خفية تعمل في الظلام.


ومؤخرًا، عادت هذه الأسئلة بقوة بعد وفاة الباحثة المصرية ريم أحمد في فرنسا سنة2024، بعد منشورات تحدثت فيها عن شعورها بالملاحقة والاختراق والمراقبةوالضغط النفسي، قبل أن تُعلن وفاتها في ظروف أثارت جدلًا واسعًا وتعاطفًا كبيرًا.


لكن هنا، وسط الضجيج والعاطفة والخوف، يصبح السؤال الأهم:


كيف نتعامل مع مثل هذه القضايا بوعي حقيقي؟


## بين الشك المشروع… والاتهام بلا دليل


من الطبيعي أن تثير القصص الغامضة الريبة.

ومن الطبيعي أيضًا أن تخشى الشعوب على علمائها وباحثيها، خصوصًا في عالمتتصارع فيه الدول على المعرفة قبل السلاح.


فالعلم اليوم ليس رفاهية.

بل قوة استراتيجية.

بل إن بعض الدول تعتبر علماءها جزءًا من الأمن القومي نفسه.


ولهذا، لا يمكن إنكار أن التاريخ عرف بالفعل عمليات:

– تجسس علمي،

– واستقطاب للعقول،

– وسرقة أبحاث،

– وحتى اغتيالات موثقة في بعض الملفات الحساسة المرتبطة بالتكنولوجيا أو البرامجالعسكرية.


لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الشك إلى يقين مطلق بلا دليل.


فليس كل موت غامض مؤامرة.

وليس كل عالم يُستهدف لأنه “اكتشف سرًا سيغيّر العالم”.


إن الوعي الحقيقي لا يقوم على الإنكار الساذج، ولا على التصديق الأعمى، بل على احترامالدليل.


فالفرق كبير بين:

– التساؤل،

– وبين إصدار الأحكام.


## أحمد زويل… والعلاقة المعقدة بين العلم والسياسة


ومن أكثر الأسماء التي تُستدعى دائمًا في مثل هذه النقاشات اسم العالم المصريAhmed Zewail.


فالبعض يرى أنه نجا لأنه “تعاون”.

والبعض الآخر يراه نموذجًا عالميًا للعالِم الذي وصل بموهبته وعلمه.


والحقيقة أن العالم الحديث أكثر تعقيدًا من هذه الصورة الثنائية البسيطة.


فالعلم بطبيعته عابر للحدود.

والجامعات الكبرى والمؤسسات البحثية تضم علماء من جنسيات واتجاهات مختلفة.

كما أن الجوائز الدولية والعلاقات الأكاديمية لا تعني بالضرورة تبني مواقف سياسية أواستخباراتية.


ولهذا، فإن تقييم الأشخاص يجب أن يبقى قائمًا على الحقائق، لا على الانطباعات أوالشائعات.


## المشكلة الحقيقية التي لا نتحدث عنها


وربما المشكلة الأعمق ليست:

هل اغتيل هذا العالم أو ذاك؟


بل:

هل نحن أصلًا نبني بيئة تحمي العلماء؟


كم باحث عربي اضطر للهجرة لأنه لم يجد:

– معملًا محترمًا،

– أو تمويلًا،

– أو تقديرًا،

– أو حتى حياة كريمة؟


كم مشروع علمي مات قبل أن يبدأ بسبب البيروقراطية أو الإهمال أو ضعف الاهتمامبالبحث العلمي؟


المؤلم أن كثيرًا من المجتمعات العربية تحتفي أحيانًا بالمشاهير أكثر من احتفائهابالعقول التي تصنع المستقبل.


بينما الأمم الكبرى تدرك أن:

العالِم ليس موظفًا…

بل استثمار حضاري طويل المدى.


## حين يتحول العلم إلى أمن قومي


الدول التي نهضت فعلًا لم تفعل ذلك بالخطب فقط.

بل بالجامعات،

والمعامل،

والبحث العلمي،

وتقديس المعرفة.


لقد فهمت دول مثل Japan وSouth Korea وChina أن العالم الحقيقي قد يغيّر مصيرأمة كاملة.


ولهذا، فإن حماية العلماء ليست ترفًا ثقافيًا.

بل ضرورة استراتيجية.


لكن هذه الحماية لا تكون فقط بالحراسة الأمنية…

بل أيضًا:

– بالحرية الأكاديمية،

– والتمويل،

– والاحترام،

– وبناء بيئة تجعل العقول تريد البقاء لا الهروب.


## الوعي قبل الانفعال


في النهاية…


قد تبقى بعض القصص بلا إجابات واضحة.

وقد لا نعرف أبدًا الحقيقة الكاملة وراء بعض النهايات الغامضة.


لكن ما يجب أن ننتبه له هو ألا يتحول الألم إلى وقود للشائعات، ولا يتحول الحبللوطن إلى اتهامات بلا برهان.


فالوعي الحقيقي ليس أن نصدق كل شيء…

ولا أن ننكر كل شيء…


بل أن نبحث عن الحقيقة بعقلٍ هادئ، وقلبٍ يحب العلم، ووطنٍ يعرف أن مستقبلالأمم يبدأ من عقل باحث يجلس وحيدًا في معمل صغير… بينما قد يحمل في رأسهمشروع نهضة كاملة.


✍️ابن السيد  





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top